الرجل القوي
26-02-2010, 02:14 AM
"لا تتظاهروا بأنكم لم تتوقعوا ذلك، بل كنتم تعلمون أن نهاية سنوات العزة والقوة قادمة لا محالة"، بهذه العبارات وأشباهها يبدأ الكثير من المفكرين والكتاب الأمريكيين مقالاتهم ومحاضراتهم.
والداعي إلى ذلك تسلسل الأحداث على الصعيد الأمريكي الداخلي منذ مطلع الثمانينات مع تولي الرئيس ريجان الرئاسة الأمريكية - ذلك الرئيس الحالم والمقامر والممثل الذي أسمع الشعب الأمريكي ما يريد أن يسمعه - إذ بدأت بعدها العجلة تدور بسرعة فائقة، حيث ارتفع متوسط سعر البيت الأمريكي ليصل إلى أربعة أضعاف، كما ارتفع متوسط مؤشر داو جونز من 803 نقاط في صيف 1982 إلى 14165 نقطة في خريف 2007، وبدأ الجري وراء الغنى السريع والمقامرة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث تآكل حجم الادخار للعائلة الأمريكية من 11 في المئة من دخلها السنوي إلى اقل من 1 في المئة، وازداد متوسط حجم البيت الأمريكي إلى النصف، وبدأ الفرد الأمريكي يزداد وزنه بمعدل نصف كيلو جرام سنوياً. وزادت نسبة المفرطين في السمنة من 15 في المئة من الشعب إلى ثلث الشعب.
أمام كل هذه المعطيات أدرك كثيرون أن النهاية أو الانهيار قادم لا محالة، وكثير من المفكرين حذر من هذا إلا أن أحداً لم يسمع النداء، وعلى الرغم من ظهور العديد من المؤشرات مثل تراجع صناعة السيارات وتناقص دخل العائلة الأمريكية المستمر، إلا أن أسعار الأسهم والعقارات كانت في صعود مستمر.
وعلى الرغم من كل المؤشرات السابقة وما تعرضت له أمريكا من هجوم مباشر في سبتمبر والخسائر الفادحة في العراق وأفغانستان تجاهل الكثير من الناس كل ذلك، واعتبروه عثرة في الطريق أو مجرد كبوة، حيث كان تدفق الأموال إلى أمريكا وفيراً والحصول على الأموال سهلاً ورخيصاً، وظل الكثير من الأمريكيين والعرب والسعوديين يعتقدون أن أمريكا قادرة على العودة والصعود من جديد مثل فترة ماضية وأن الحلم الأمريكي سيستمر إلى الأبد، لكن هذه الحقبة انتهت في خريف 2008، عندما انهارت فكرة الرأسمالية الأمريكية، خاصة عندما بدأ الاقتصاد الأمريكي ينمو أقل من نمو الاقتصاد العالمي، لتنتهي سكرة القوة وتأتي سكرة الحق، ويبدأ العالم يفيق على حجم الكارثة.
والمتابع للشأن الأمريكي يلمح كيف أنه خلال أشهر هوت أسعار الأسهم إلى النصف وتلاشت أكثر من نصف شركات الأوراق المالية وأصبح ملايين من العاملين لديها دون عمل، واعترف الرئيس أوباما بأنه يجب البحث عن مستقبل أفضل وليس التلاعب بالأموال والأوراق فقط، إلى جانب ضرورة التوجه للعمل المنتج فعلياً، ومع كل هذه الحقائق الكثيرة يجادل البعض وينتظر عودة الاقتصاد والقوة الأمريكية والدولار قريباً.
إن الأزمة الحالية تولدت نتيجة تراكمات من الهدم الذاتي للمجتمع الأمريكي خلال الربع الأخير من القرن الماضي، ويجب أن يتعامل الجميع حكومة وشعباً مع أنفسهم كمريض أو مدمن مخدرات، لكن في حالاتهم كان الإدمان على الحصول على المال الرخيص الوفير بأسهل الطرق. والآن يجب الاعتراف بأن المال الرخيص قد ولّى وأسلوب حياتهم الماضي من الاستحالة المحافظة عليه، وأن الاعتدال والتقشف والادخار هي سمات الفترة القادمة. فهل يفيق المجتمع الأمريكي ومن يعتقد معتقدهم؟!
إنها سنة الله في خلقه، والتاريخ يثبت ذلك، فخلال السنوات الماضية تفكك الاتحاد السوفيتي وتحررت أوروبا الشرقية ودخلت الصين كقوة ودولة عظمى خلال الخمس عشرة سنة الماضية.
ومن قبل الاتحاد السوفيتي تجرعت بريطانيا الكأس نفسها خلال القرن العشرين قبل 100 عام من السيطرة العالمية، كانت خلالها أهم دولة في العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، لتحل محلها الولايات المتحدة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ أصبحت بريطانيا لاعباً ثانوياً في المحيطين العالمي والأوروبي، وفي وقتنا الحاضر قد يكون الدور قد حان على الصين، لتحتل مكانها كقوى عالمية قادمة كما يتوقع كثيرون.
الآن ليس المطلوب البكاء أو تمني مرور الأزمة، فالواقع أن أمريكا والعالم بدآ عهداً ومرحلة جديدة، إذ انتهت حقبة وبدأت حقبة جديدة قد تكون سياسية أو اقتصادية، وقد تكون سمتها الاتجاه أقصى اليمين أو أقصى اليسار وسوف تتأقلم الحكومة الأمريكية مع ذلك كما حدث من قبل مع الاتحاد السوفيتي وبريطانيا، حتى ولو جاءت حكومة يمينية أو يسارية فلن تستطيع الحركة كثيرا، فقد انتهى عشق الذات، وانحناء الرئيس أوباما للملك عبدالله قد يكون البداية المعنوية لذلك. علما أنه عندما يتعامل الزعماء الغربيون، مع الزعماء العرب يكونون في غاية اللطف والتواضع تجاههم إذا اقتضى الأمر، مقابل تحقيق الهدف المرجوّ من اللقاء، والذي دون شك يخدم مصالحهم لا مصالحنا. سوف ينسى طريقة وحرارة الاستقبال بعد فترة ولكن نتائج اللقاء تم تثبيتها والتي غالباً ما تستلب كأمة جزءاً من حقهم أو إرادتهم، مقابل لطف متعمّد ومدروس مع أحد زعمائهم.
أخيراً
مع ما يدور حاليا في فلك الاقتصاد العالمي وارتباطه بنا وعدم قدرتنا على الفكاك من تداعياته، صار من الضروري التنبه إلى بناء علاقات مؤسساتية مع الدول العربية والإسلامية، كما يجب أن نتجنب خداع النفس وأن نعترف بوجود مأزق في صلب النظام العربي، كما أنه يستحيل إدارة الخلافات من دون دور فعال للمؤسسات أو آليات منضبطة تدار وفق قواعد وأسس واضحة ومحددة ومقبولة من جميع الأطراف وملزمة لهم.
وبكل أسف الكثير من الدول العربية ليست لديها مؤسسات ولا تعرف حكم المؤسسات في بلدانها من الداخل، وسيكون من المستحيل إقامة مؤسسات تحتكم إليها على المستوى الإقليمي أو مؤسسات عربية فاعلة قبل أن تكون هناك مؤسسات قُطرية أو وطنية فاعلة.
ختاماً
يجب على كل صاحب قرار في دولنا العربية التنبه إلى أن مستقبلنا يجب ألا نضعه في عربة أمريكا وحدها. ولنا عبرة بما قام به المؤسس الملك عبدالعزيز عندما ترك العربة الإنجليزية وركب العربة الأمريكية على الرغم من أن هنالك العديد من الزعامات قد اتخذوا القرار السياسي الخاطئ بالاستمرار مع العربة الخاسرة.
والداعي إلى ذلك تسلسل الأحداث على الصعيد الأمريكي الداخلي منذ مطلع الثمانينات مع تولي الرئيس ريجان الرئاسة الأمريكية - ذلك الرئيس الحالم والمقامر والممثل الذي أسمع الشعب الأمريكي ما يريد أن يسمعه - إذ بدأت بعدها العجلة تدور بسرعة فائقة، حيث ارتفع متوسط سعر البيت الأمريكي ليصل إلى أربعة أضعاف، كما ارتفع متوسط مؤشر داو جونز من 803 نقاط في صيف 1982 إلى 14165 نقطة في خريف 2007، وبدأ الجري وراء الغنى السريع والمقامرة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث تآكل حجم الادخار للعائلة الأمريكية من 11 في المئة من دخلها السنوي إلى اقل من 1 في المئة، وازداد متوسط حجم البيت الأمريكي إلى النصف، وبدأ الفرد الأمريكي يزداد وزنه بمعدل نصف كيلو جرام سنوياً. وزادت نسبة المفرطين في السمنة من 15 في المئة من الشعب إلى ثلث الشعب.
أمام كل هذه المعطيات أدرك كثيرون أن النهاية أو الانهيار قادم لا محالة، وكثير من المفكرين حذر من هذا إلا أن أحداً لم يسمع النداء، وعلى الرغم من ظهور العديد من المؤشرات مثل تراجع صناعة السيارات وتناقص دخل العائلة الأمريكية المستمر، إلا أن أسعار الأسهم والعقارات كانت في صعود مستمر.
وعلى الرغم من كل المؤشرات السابقة وما تعرضت له أمريكا من هجوم مباشر في سبتمبر والخسائر الفادحة في العراق وأفغانستان تجاهل الكثير من الناس كل ذلك، واعتبروه عثرة في الطريق أو مجرد كبوة، حيث كان تدفق الأموال إلى أمريكا وفيراً والحصول على الأموال سهلاً ورخيصاً، وظل الكثير من الأمريكيين والعرب والسعوديين يعتقدون أن أمريكا قادرة على العودة والصعود من جديد مثل فترة ماضية وأن الحلم الأمريكي سيستمر إلى الأبد، لكن هذه الحقبة انتهت في خريف 2008، عندما انهارت فكرة الرأسمالية الأمريكية، خاصة عندما بدأ الاقتصاد الأمريكي ينمو أقل من نمو الاقتصاد العالمي، لتنتهي سكرة القوة وتأتي سكرة الحق، ويبدأ العالم يفيق على حجم الكارثة.
والمتابع للشأن الأمريكي يلمح كيف أنه خلال أشهر هوت أسعار الأسهم إلى النصف وتلاشت أكثر من نصف شركات الأوراق المالية وأصبح ملايين من العاملين لديها دون عمل، واعترف الرئيس أوباما بأنه يجب البحث عن مستقبل أفضل وليس التلاعب بالأموال والأوراق فقط، إلى جانب ضرورة التوجه للعمل المنتج فعلياً، ومع كل هذه الحقائق الكثيرة يجادل البعض وينتظر عودة الاقتصاد والقوة الأمريكية والدولار قريباً.
إن الأزمة الحالية تولدت نتيجة تراكمات من الهدم الذاتي للمجتمع الأمريكي خلال الربع الأخير من القرن الماضي، ويجب أن يتعامل الجميع حكومة وشعباً مع أنفسهم كمريض أو مدمن مخدرات، لكن في حالاتهم كان الإدمان على الحصول على المال الرخيص الوفير بأسهل الطرق. والآن يجب الاعتراف بأن المال الرخيص قد ولّى وأسلوب حياتهم الماضي من الاستحالة المحافظة عليه، وأن الاعتدال والتقشف والادخار هي سمات الفترة القادمة. فهل يفيق المجتمع الأمريكي ومن يعتقد معتقدهم؟!
إنها سنة الله في خلقه، والتاريخ يثبت ذلك، فخلال السنوات الماضية تفكك الاتحاد السوفيتي وتحررت أوروبا الشرقية ودخلت الصين كقوة ودولة عظمى خلال الخمس عشرة سنة الماضية.
ومن قبل الاتحاد السوفيتي تجرعت بريطانيا الكأس نفسها خلال القرن العشرين قبل 100 عام من السيطرة العالمية، كانت خلالها أهم دولة في العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، لتحل محلها الولايات المتحدة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ أصبحت بريطانيا لاعباً ثانوياً في المحيطين العالمي والأوروبي، وفي وقتنا الحاضر قد يكون الدور قد حان على الصين، لتحتل مكانها كقوى عالمية قادمة كما يتوقع كثيرون.
الآن ليس المطلوب البكاء أو تمني مرور الأزمة، فالواقع أن أمريكا والعالم بدآ عهداً ومرحلة جديدة، إذ انتهت حقبة وبدأت حقبة جديدة قد تكون سياسية أو اقتصادية، وقد تكون سمتها الاتجاه أقصى اليمين أو أقصى اليسار وسوف تتأقلم الحكومة الأمريكية مع ذلك كما حدث من قبل مع الاتحاد السوفيتي وبريطانيا، حتى ولو جاءت حكومة يمينية أو يسارية فلن تستطيع الحركة كثيرا، فقد انتهى عشق الذات، وانحناء الرئيس أوباما للملك عبدالله قد يكون البداية المعنوية لذلك. علما أنه عندما يتعامل الزعماء الغربيون، مع الزعماء العرب يكونون في غاية اللطف والتواضع تجاههم إذا اقتضى الأمر، مقابل تحقيق الهدف المرجوّ من اللقاء، والذي دون شك يخدم مصالحهم لا مصالحنا. سوف ينسى طريقة وحرارة الاستقبال بعد فترة ولكن نتائج اللقاء تم تثبيتها والتي غالباً ما تستلب كأمة جزءاً من حقهم أو إرادتهم، مقابل لطف متعمّد ومدروس مع أحد زعمائهم.
أخيراً
مع ما يدور حاليا في فلك الاقتصاد العالمي وارتباطه بنا وعدم قدرتنا على الفكاك من تداعياته، صار من الضروري التنبه إلى بناء علاقات مؤسساتية مع الدول العربية والإسلامية، كما يجب أن نتجنب خداع النفس وأن نعترف بوجود مأزق في صلب النظام العربي، كما أنه يستحيل إدارة الخلافات من دون دور فعال للمؤسسات أو آليات منضبطة تدار وفق قواعد وأسس واضحة ومحددة ومقبولة من جميع الأطراف وملزمة لهم.
وبكل أسف الكثير من الدول العربية ليست لديها مؤسسات ولا تعرف حكم المؤسسات في بلدانها من الداخل، وسيكون من المستحيل إقامة مؤسسات تحتكم إليها على المستوى الإقليمي أو مؤسسات عربية فاعلة قبل أن تكون هناك مؤسسات قُطرية أو وطنية فاعلة.
ختاماً
يجب على كل صاحب قرار في دولنا العربية التنبه إلى أن مستقبلنا يجب ألا نضعه في عربة أمريكا وحدها. ولنا عبرة بما قام به المؤسس الملك عبدالعزيز عندما ترك العربة الإنجليزية وركب العربة الأمريكية على الرغم من أن هنالك العديد من الزعامات قد اتخذوا القرار السياسي الخاطئ بالاستمرار مع العربة الخاسرة.